الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
116
نفحات القرآن
ويقول البعض كالعلّامة المجلسي رحمه الله : نحن نؤمن إجمالًا بالميزان أمّا فيما يتعلق بجزئياته وكيفيته فلا نقول شيئاً من عندنا . روي أنّ داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فأراه ، كل كفّة كما بين المشرق والمغرب ، فغشي عليه ، ثم أفاق فقال : « الهي ! من الذي يقدر أن يملأ كفّته حسنات ؟ فقال : يا داود إنّي إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة » « 1 » . وجاء في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام : « إنّه سئل عن الميزان ، فقال : الميزان العدل » « 2 » . من هنا يطرح هذا السؤال : كيف يكون الجمع بين كل هذه الأحاديث ؟ فقد ورد في بعضها : أنّ الميزان بمعنى الوجود المقدّس للأئمة المعصومين عليهم السلام وفي حديث آخر بمعنى العدل وفي حديث داود : ( كل كفة كما بين المشرق والمغرب ) ، وفي الظاهر أنّ هذه الأحاديث الثلاثة متضادة ، ولكن إذا أخذنا هذه النكتة بنظر الاعتبار فسوف يزول هذا الاختلاف الصوري ، أنّ حقيقة الميزان هي العدل الإلهي وأنّ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمّة الأطهار عليهم السلام هم مظهر عدله تعالى ، ومن جهة أخرى أننا نعلم أنّه ( بالعدل قامت السماوات والأرض ) « 3 » . ومن هنا يتّضح سبب دهشة داود عليه السلام عند مشاهدته لعظمة الميزان وذلك لأنّه رأى عظمة مقام العدل ، ومقامات محمّد وآله عليهم السلام بحيث وجد أعماله لا شيء قبالها . ومن الطريف أنّ هذا الميزان وبهذه العظمة يمتلئ بتمرة واحدة إذا كان فيها روح الإخلاص فتوجب رضا اللَّه تبارك وتعالى . ويعتقد بعض المحققين : أنّ الأئمّة المعصومين وأولياء اللَّه بمنزلة كفّة الميزان الأولى ،
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان ، ج 5 ، ص 486 ذيل الآية 47 الأنبياء ، ولقد ورد نفس المضمون مع شيء من الاختلاف في تفسير الكبير ذيل الآية مورد البحث ، وكذلك فيتفسير روح المعاني الآية نفسها . ( 2 ) . تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، ص 5 . ( 3 ) . الفيض الكاشاني ، ورد هذا الحديث في تفسير الصافي ذيل الآية 7 من سورة الرحمن .